محمود النجار - mahmoud elnajjar محمود النجار - mahmoud elnajjar
كتاباتي

آخر الأخبار

كتاباتي
جاري التحميل ...

قصة شاب فاقد البصر: البداية المظلمة ومعاناة ذوي الهمم في الطريق


 قصة شاب فاقد البصر: البداية المظلمة ومعاناة ذوي الهمم في الطريق


في مدينة مزدحمة لا يهدأ ضجيجها ليلًا ولا نهارًا، كان يعيش "أحمد"؛ شاب في منتصف العشرينات، يحمل في داخله حلمًا أكبر من أي عجز، لكنه وُلد بظرف مختلف: فقد بصره وهو في سن السادسة بعد إصابته بمرض نادر لم تنجح معه محاولات العلاج. منذ تلك اللحظة، أصبح العالم بالنسبة له مظلمًا، لكن داخله امتلأ بضياء من نوع آخر؛ ضياء الإرادة والإصرار.

أحمد لم يكن مجرد شاب عادي، بل كان واحدًا من ذوي الهمم الذين تعلموا أن كل خطوة في حياتهم هي تحدٍّ جديد. لم يكن فقدان البصر حاجزًا أمام عقله وقلبه، لكنه جعل الطريق إلى أبسط الأشياء مليئًا بالعقبات.


الحياة اليومية وسط معاناة الطريق

كل صباح، كان أحمد يستيقظ على صوت المنبه الذي يضعه بجواره، يمرر يده على الطاولة الخشبية حتى يعثر على عصاه البيضاء، تلك العصا التي صارت رفيقته الأبدية في مواجهة الشوارع المزدحمة والسيارات المسرعة. لم يكن الطريق إلى عمله، الذي يبعد مسافة قصيرة، سهلًا أبدًا.

في كل مرة يعبر فيها الشارع، يشعر أن قلبه سيتوقف من شدة الخوف. أصوات السيارات تأتي من كل اتجاه، وصوت البائعين والناس يملأ الأجواء، فلا يعرف إن كان الضوء الأخضر أضاء أم أن السائقين لم ينتبهوا بعد لوجوده.

أحيانًا، كان يجد من يساعده؛ شخص يربت على كتفه قائلًا: "تعالى يا ابني، أنا هعديك." لكن في كثير من الأحيان كان يضطر لمواجهة المجهول وحده، مستندًا إلى خبرته المحدودة بالأصوات والروائح واللمسات.


المجتمع بين الرحمة والتجاهل

واجه أحمد مواقف متناقضة كل يوم. هناك من كان يراه مجرد عبء ويبتعد عنه وكأنه غير موجود، وهناك من كان يمد له يد العون بإخلاص. في إحدى المرات، بينما كان يسير بجوار محطة الأتوبيس، اصطدم به شاب في عجلة من أمره، ثم صرخ فيه بعصبية:
"انت ما بتشوفش ولا إيه؟!"

ابتسم أحمد ابتسامة حزينة وأجاب بهدوء:
"هو فعلاً… أنا ما بشوفش."

ساد الصمت لوهلة، وشعر الشاب بالحرج، لكن أحمد أكمل طريقه دون أن يتوقف، فهو اعتاد مثل هذه الكلمات التي تجرح أكثر مما تداوي.

وفي المقابل، هناك المواقف التي منحت قلبه دفئًا، مثل الفتاة الصغيرة التي أمسكت بيده ذات يوم وقالت ببراءة:
"تعالى يا عمو، أنا هعديك السكة."
ابتسم أحمد يومها ابتسامة من القلب، وشعر أن في هذا العالم نورًا آخر غير نور البصر، نور الرحمة الإنسانية.


التحديات الخفية التي لا يراها الناس

لم تكن معاناة أحمد فقط في عبور الطرق، بل في كل تفصيلة صغيرة في حياته اليومية.

  • كيف يفتح هاتفه ليتحدث مع أصدقائه؟

  • كيف يعرف النقود التي في يده عند شراء أي شيء؟

  • كيف يميز بين الطريق الذي يقوده إلى عمله والطريق الآخر الذي قد يضله؟

كثير من الناس لا يدركون أن المكفوفين يعيشون مع هذه التحديات في كل لحظة. نعم، هناك تقنيات حديثة مثل برامج نطق الشاشة على الهاتف، لكن الأمر ليس بهذه السهولة دائمًا.


الجانب المشرق في حياته

رغم كل هذا، لم يكن أحمد شخصًا مستسلمًا. على العكس، كان من أكثر الشباب طموحًا. أحب القراءة منذ طفولته، ولما فقد بصره، لجأ إلى الكتب الصوتية وبرامج "برايل"، واستطاع أن يُكمل دراسته حتى حصل على شهادة جامعية في الأدب العربي.

كان يحلم أن يصبح كاتبًا مؤثرًا ينقل قصص ذوي الهمم للعالم كله، ليُظهر أن فقدان البصر لا يعني فقدان الحياة. وكان لديه دفتر صغير يكتب فيه أفكاره بطريقة برايل، يحلم أن يحوله يومًا ما إلى كتاب يلمس قلوب القراء.


المواجهة الأولى مع الخطر

في أحد الأيام الشتوية الباردة، خرج أحمد كعادته متجهًا إلى عمله. المطر ينهمر بغزارة، والأرض زلقة، والناس يجرون للحاق بمواصلاتهم. وقف أحمد على الرصيف، يستمع للأصوات ليحدد متى يمكنه العبور. فجأة، انزلقت قدمه على بقعة ماء، وكاد يسقط في منتصف الشارع.

في لحظة خاطفة، شعر بيد قوية تمسك بذراعه وتمنعه من السقوط. التفت برأسه نحو مصدر الصوت، فسمع شابًا يقول له:
"خلي بالك يا أخي، الطريق النهاردة خطر جدًا."

شكر أحمد الشاب، لكنه ظل قلبه يخفق بشدة. أدرك أن حياته يمكن أن تنتهي في لحظة واحدة بسبب غفلة بسيطة أو تجاهل من الآخرين.


بداية التحول الداخلي

تلك الحادثة لم تمر مرور الكرام. جلس أحمد ليلتها يفكر طويلًا:
"إلى متى سأظل تحت رحمة الطريق والناس؟ إلى متى سأعيش خائفًا من عبور شارع أو السير وحدي؟"

منذ تلك اللحظة، قرر أن يبدأ رحلة جديدة؛ رحلة لا تعتمد فقط على الآخرين، بل تبني داخله قوة أكبر من أي خوف. أراد أن يثبت لنفسه أولًا، ثم للعالم، أن الكفيف يستطيع أن يعيش حياة طبيعية، مليئة بالإنجازات والإبداع.




عن الكاتب

mahmoud elnajjar

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

محمود النجار - mahmoud elnajjar